في الطفولة - عبد المجيد بن جلون

    لو أنني كنت أعرف شيئًا عن الأفلاك والأبراج وطوالع الكواكب لما نفعني ذلك في معرفة هل اليوم الذي ولدت فيه كان يوم سعد أو يوم
    نحس, ذلك أنني لا أجهل هذه الأشياء فحسب, ولكنني أجهل اليوم الذي ولدت فيه أيضًا.
    تحميل السيرة الذاتية لعبد المكجيد بن جلون ((في الطفولة))
    في الطفولة
    ولست حانقًا في ذلك على أحد, لأنه يتناسب مع الغموض الذي أحسُّه كلما حاولت أن أتذكر أيامي الأولى, وماذا يفيد الإنسان أن يعرف الساعة واليوم والشهر والسنة التي ولد فيها, ما دامت السنون التي سوف يقضيها في الحياة مجهولة, وما دام هناك مقياس للطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة, وهو أصدق في الدلالة على عمره من أيام يشغل نفسه بعدِّها.
    لا أستطيع أن أتذكر بالطبع كيف شرعت في الحياة, ولكن لا شك في أنني كنت أرفع صوتي بالعويل في الشهر الأول, ولا شك أن ملامحي كانت رخوة ليتمكن الناظر إليها من تخيل الشكل الذي سيتخذه في النهاية هذا المخلوق الجديد. ولا شك في أن أول ما أحببته من الدنيا الجديدة التي أقبلت عليها كان هو الرضاع, وأن أول مكروه أصابني هو الفطام.
    إنني كلما انحدرت مع الماضي أفضت بي الحوادث في النهاية إلى عالم غامض, مثل الذي استفاق من حلم نسيه قبل أن يستفيق, لا يمنعه هذا النسيان من تذكر العاطفة التي كانت مسيطرة عليه أثناءه, فهو يستطيع أن يقول إن الحلم كان مزعجًا أو هنيئًا, بالرغم من أنه لا يتذكر منه شيئًا. أما العاطفة التي أكاد أشعر بأنها كانت مسيطرة على نفسي في ذلك الحين, فهي مزيج مبهم من الاستغراب والخوف والتطلع. كنت كالذي اكتشف حدود مدينة قديمة فجأة, أستغرب للفجأة, وأخاف مما قد يكون في داخل المدينة, ولكن تطلعي الممزوج بالفضول يدفع خطواتي إليها.
    حتى إذا كبرت قليلاً واستأنست بالمحيط الذي ولدت فيه بدأ الأمن يعود إلى نفسي. ولكن هذه المرحلة أيضًا لا تدخل في دائرة الذكريات. قيل إنني ولدت في مدينة الدار البيضاء ثم قضيت في تلك المدينة بضعة أشهر, ثم ركبت البحر بين ذراعي أمي إلى إنكلترا. وقد كان ذلك بعد الحرب العالمية الأولى, أي أنني مررت في بلاد حديثة العهد بالحرب, ومع ذلك لا أذكر منها شيئًا يدل على أنني كنت أنتفع بالنظر أو التمييز.
    وقد عرفت الحياة لأول مرة في مدينة منشستر, ولا بد أن وقتًا ليس بالقصير قد مر قبل أن تبتدئ ذاكرتي في اختزان الصور. والصور الأولى القديمة التي أحتفظ بها في نفسي قليلة تعد على أصابع اليد.


    فتحت عيني فإذا أنا في منزل قديم يحيط به الغموض والإبهام, كانت حديقة كبيرة تقع خلفه كثيرا ما أشرفت عليها من النافذة, وتقع أمامه حديقة صغيرة يحدها حاجز حديدي طويل يقوم بين المنزل والشارع ويخترقها ممشى قصير يفضي إلى بوابة عالية من حديد. كان البيت يتألف من ثلاثة أدوار, كبير الأبهاء والغرف ضخم النوافذ ملون الزجاج. وكانت هذه الأوصاف تجعلني لا أطمئن إليه أبدا. ولم يكن للحديقة الخلفية الكبيرة بستاني, ولذلك كانت وحشية النباتات, تنتهي بأشجار ضخمة تبعث رعباً مبهما في النفس. وكنت أرى من آن لآخر هرّا أو كلبا يجري خلال الأعشاب, ثم يقفز فوق الحاجز ويختفي . وكثيرا ما ساءلت نفسي عن هذه الأشياء التي تتحرك ومع ذلك فهي ليست في شكل الإنسان, وما أزال أذكر أن هرًّا عظيم الهامة داهمني ذات يوم, فصرخت حتى كاد يغمى عليّ. ومما زاد في يقيني بأن هذه المخلوقات مخلوقات شريرة أن أهل المنزل كانوا يطاردونها. وكانت النوافذ الضخمة ذات الزجاج الملون تثير في نفسي القلق لضخامتها وللأضواء الملونة الحزينة التي كانت تنفذ منها, أضف إلى هذا الضباب والثلوج وشدة البرد, فقد تعاون ذلك كله على إثارة خيالي العاجز, حتى تأصل الرعب في نفسي.

    ضع تعليق

سياسة الخصوصية | اتصل بنا | copyright 2013 © 2014 مجرة الكتب